أبي المعالي القونوي
50
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن
تعريفه ؛ إذ من شرط المعرّف أن يكون أجلى من المعرّف وسابقا عليه ، وما ثمّة ما هو أجلى من العلم ولا سابق عليه إلّا غيب الذات ، الذي لا يحيط به علم أحد غير الحقّ . وتقدّم نسبة الحياة عليه تقدم شرطي باعتبار المغايرة لا مطلقا ، ومع ذلك فلا يثبت تقدّمه إلّا بالعلم . لم جاء التعريف أحيانا ؟ فالمعرّف للعلم إمّا جاهل بسرّه ، وإمّا عارف يقصد التنبيه على مرتبته من حيث بعض صفاته ، لا التعريف التامّ له ، ولهذا التعريف التنبيهي سرّ وهو كون المعرّف العارف إنّما يعرّف بحكم من أحكام العلم وصفة من صفاته حكما آخر أو صفة أخرى من أحكام العلم أيضا وصفاته ، فيكون القدر الحاصل من المعرفة بالعلم إنّما حصل به لا بغيره فيكون الشيء هو المعرّف نفسه ، ولكن لا من حيث أحديّته ، بل من حيث نسبه ، وهذا هو سرّ الأدلّة والتعريفات والتأثيرات كلّها على اختلاف مراتبها ومتعلّقاتها . ومن هذا السرّ ينبه الفطن قبل تحقّقه بالمكاشفات الإلهيّة لسرّ قول المحقّقين : « لا يعرف اللّه إلّا اللّه » ولقولهم : « التجلّي في الأحديّة محال » مع اتّفاقهم على أحديّة الحقّ ودوام تجلّيه لمن شاء من عباده من غير تكرار التجلّي ، سواء كان المتجلّى له واحدا أو أكثر من واحد ، فافهم وتدبّر هذه الكلمات اليسيرة ؛ فإنّها مفاتيح لأمور كثيرة ، وأسرار كبيرة . ما في الوجود من العلم ثم نقول : فالظاهر من الموجودات ليس غير تعيّنات نسب العلم الذي هو النور المحض ، تخصص « 1 » وتخصّص بحسب حكم الأعيان الثابتة ، ثم انصبغت الأعيان بأحكام بعضها في البعض بحسب مراتبها التي هي الأسماء ، فظهرت به - أعني النور - وتعيّن بها وتعدّد . فمتى حصل تجلّ ذاتي غيبي لأحد من الوجه الخاصّ يرفع أحكام الوسائط ؛ فإنّه يقهر - كما قلنا - بأحديّته أحكام الأصباغ العينيّة الكونية ، المسمّاة حجبا نوريّة إن كانت أحكام
--> ( 1 ) . ق : في تخصّص .